الزواج السري وآثاره على المرأة الموريتانية والأسرة

تشكل ظاهرة الزواج السري أو (ما يعرف محليا بـ “السرّية”) واحدة من القضايا الاجتماعية الشائكة والمعقدة في موريتانيا، ورغم أن مجتمعنا يتسم بطابع محافظ تحكمه قيم ديننا الإسلامي الحنيف، إلا أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة ساهمت في بروز هذا النوع من الارتباط الخفي.
ونسلط الضوء في هذا المقال على هذه الظاهرة، باحثين في أسبابها العميقة، ومحللين لآثارها السلبية على المرأة، وأضرارها الجسيمة على البنية المجتمعية الموريتانية. يظهر الزواج السري في السياق الموريتاني بصور متعددة؛ فقد يكون مستوفيا للشروط الشرعية الأساسية كالولي والشاهدين والمهر، ولكنه يحاط بتكتم شديد ويُحرم من “الإشهار” الذي يمثل مظهرا أساسيا واجتماعياً لإعلان قيام الأسرة، وفي حالات أخرى، يتم دون أي توثيق في الدوائر العرفية أو الرسمية، مما يجعله ارتباطا هشا لا يصمد أمام أي نزاع.
وغالبا ما يلجأ الرجال إلى هذا الخيار مدفوعين بعدة عوامل أبرزها: الخوف من تفكك الأسرة الأولى من خلال رد فعل الزوجة الأولى وطلبها الطلاق، أو هروبا من النظرة الاجتماعية، بالإضافة إلى الفوارق الطبقية أو الشرائحية حيث يرفض الرجل إعلان زواجه من امرأة تنتمي لخلفية اجتماعية يراها “غير مكافئة” له تماشيا مع الموروثات التقليدية البالية، فضلا عن الهروب من التكاليف الاقتصادية الباهظة للأعراس والالتزامات المادية اليومية المستمرة.
وتظل المرأة هي الحلقة الأضعف والضحية الأولى في مغامرة الزواج السري، حيث تترتب على هذا الارتباط عواقب وخيمة تلازمها طويلا؛ ففي غياب وثيقة زواج رسمية مسجلة لدى مصالح الحالة المدنية، تحرم المرأة من كافة حقوقها الشرعية والقانونية كالنفقة والسكن وتعيش تحت رحمة “المزاج المادي” للزوج، وفي حال وفاته، تعجز الزوجة “السرية” عن إثبات حقها الشرعي، وتجد نفسها خارج حسبة الميراث تماما.
وتعتبر أزمة إثبات النسب وضياع الأطفال من أخطر هذه التداعيات؛ فعند حدوث حمل، قد يتنصل الزوج من مسؤولياته وينكر الأبوة خوفا من الفضيحة، مما يضع المرأة في مواجهة معضلة قانونية واجتماعية مريرة لإثبات نسب أطفالها وحرمانهم من أوراقهم الثبوتية (الهوية الوطنية) مما يهدد مستقبلهم التعليمي والصحي، هذا إلى جانب الضغط النفسي والاجتماعي المستمر وحالة القلق الدائم والخوف من انكشاف الأمر، والشعور الخانق بالدونية لكونها تعيش في “الظل”، مما يسلبها الأمان والاستقرار النفسي الذي هو الغاية الأسمى من الزواج.
ولا تتوقف آثار الزواج السري عند حدود جدران البيت المغلق، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار المجتمعي الموريتاني، مسببة تفكك النسيج الأسري وزيادة نسب الطلاق؛ فبمجرد انكشاف السر – وهو أمر حتمي في الغالب – تشتعل النزاعات العائلية التي تؤدي إلى انهيار الأسرة الأولى، أو طلاق الزوجة الثانية بشكل تعسفي وسريع.
كما يساهم هذا الزواج في تنامي ظاهرة الأطفال فاقدي السند العائلي مما يفرز جيلا يعاني من وصمة اجتماعية ويفتقر للرعاية الأبوية والتوجيه التربوي السليم، وهو ما يؤدي بدورة إلى زعزعة الثقة في مؤسسة الزواج وتحويلها من ميثاق قائم على السكن والمودة إلى “صفقة سرية مؤقتة” تزيد من عزوف الشباب والفتيات عن الارتباط، فضلا عن تراجع المكتسبات الحقوقية للمرأة؛ فالزواج السري يلتف على جهود الدولة ومنظمات المجتمع المدني المتمثلة في “مدونة الأحوال الشخصية” ويعطل فاعليتها، مما يعيد تلك المكتسبات خطوات إلى الوراء.
ولمواجهة هذه الظاهرة، يتطلب الأمر تضافر الجهود من عدة أطراف؛ بدءاً من القانون والقضاء عبر فرض رقابة صارمة على عقود الزواج وتسهيل إجراءات التوثيق مع وضع عقوبات رادعة على التحايل، مرورا بالعلماء والفقهاء من خلال تكثيف الخطاب الديني الذي يبين أن الإشهار ومراعاة الحقوق هي مقاصد أساسية للشريعة وأن إلحاق الضرر بالمرأة باسم الدين أمر مرفوض شرعا، وصولا إلى أدوار المجتمع المدني والإعلام في إطلاق حملات توعية واسعة لتبصير الفتيات وعائلاتهن بمخاطر القبول بالزواج السري، والعمل على تغيير العقليات التي تفرض تكاليف زواج تعجيزية تدفع الرجال نحو خيارات التخفي.
وفي الختام، إن الزواج السري في موريتانيا ليس مجرد خيار شخصي، بل هو معضلة اجتماعية تقوض أركان الأسرة وتدفع ثمنها المرأة والأطفال من كرامتهم واستقرارهم، وحماية مجتمعنا تقتضي الخروج بهذه العلاقات إلى علانية القانون ووضوح الشرع، ليبقى الزواج كما أريد له: بناء مستقرا يعمر المجتمع ويوفر الأمان لأفراده.
بابي افاه / موقع الوكالة الوطنية للصحافة




