
نزيف الطرق.. بين غياب الوعي وتقاعس الجهات. بقلم: الصحفي أمير سعد
شهدت الأسابيع القليلة الماضية في موريتانيا سلسلة مؤلمة من حوادث السير، تنوعت في أسبابها وتعددت في نتائجها، لكنها التقت جميعها في نقطة واحدة: الفاجعة. دماء سالت، وأرواح أُزهقت، وأسرٌ فقدت أعزاءها في لحظاتٍ خاطفة، لتُضاف هذه الحوادث إلى سجلٍ ثقيلٍ من ضحايا الطرق في بلدٍ باتت السلامة فيه حلمًا مؤجلاً.
ليست الحوادث الأخيرة سوى حلقة في سلسلةٍ ممتدة، فقد أظهرت الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية على مدار السنوات الماضية ارتفاعًا مقلقًا في أعداد حوادث السير، مما يعكس خللًا بنيويًا عميقًا في منظومة النقل والسلامة الطرقية.
فمن ضعف البنية التحتية للطرق، إلى تهور السائقين، مرورًا بعدم التقيد بمعايير السلامة، نجد أنفسنا أمام واقع يتطلب مراجعةً شاملةً واستجابةً عاجلة.
الطرقات الموريتانية – خصوصًا في الداخل – تُعاني من اهتراء شبه تام في بعض المقاطع، وغياب الإشارات المرورية، وافتقار شبه كلي للإنارة الليلية، إضافة إلى ضيق بعض المسارات رغم ازدياد عدد المركبات، ما يجعل أي خلل بشري أو ميكانيكي عرضةً لأن يتحول إلى كارثة حقيقية.
أما السائقون، فلا يمكن تجاهل أن السرعة المفرطة، والتهور، وتجاوز الإشارات، وعدم الالتزام بإجراءات الصيانة، كلها عوامل تنذر بالخطر الداهم. وليس غريبًا أن يتحوّل الطريق إلى “فخ” قاتل إذا جمع بين مركبة مثقلة بالحمل وسائق يجهل قواعد القيادة الآمنة. ولا يُستثنى من ذلك النقل العمومي والخصوصي، حيث تتكرر مشاهد الشاحنات المحملة بما يفوق طاقتها، وسيارات الأجرة التي تتجاهل أبسط متطلبات السلامة.
ويتفاقم الوضع بغياب التكوين الجاد والفعلي للسائقين، وبتنامي ثقافة الاستهتار بالقانون، وانعدام الرقابة الصارمة، فضلًا عن القصور الإعلامي في توعية المواطنين والسائقين بمخاطر التهور، وأهمية احترام قوانين السير.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن تحميل مسؤوليته لطرف دون آخر؛ فالمسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد، وتشمل الأسرة، وتصل إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية، وتنتهي عند الدولة بمختلف أجهزتها المعنية. فكل تقصير في هذا السياق يعني المزيد من الحوادث، والمزيد من الضحايا.
ومن هذا المنبر، فإننا نطالب السلطات العمومية، بدءًا من وزارة النقل إلى الجهات الأمنية، باتخاذ جملة من الإجراءات العاجلة والحازمة، من أبرزها:
الإسراع في ترميم وتوسيع شبكة الطرق، وتجهيزها بالعلامات والإشارات الضرورية.
فرض احترام السرعة المحددة، والصرامة في معاقبة المخالفين.
إلزام شركات النقل باعتماد سائقين مؤهلين ومدربين وفق الضوابط الصحيحة، وضبط الحمولة داخل المعايير الفنية المقررة.
إطلاق حملات تحسيسية مكثفة عبر وسائل الإعلام، واستهداف المدارس والمساجد والأسواق لتوسيع دائرة التوعية.
فنزيف الطرق ليس قدَرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية لتراكمات وتقصيرات يمكن تداركها متى ما توافرت الإرادة والرؤية والمسؤولية.
وما لم نتحرك اليوم، فإن الخرائط ستظل تُلطخ بالأحمر، والقلوب ستظل تنفطر كل صباح على مأساة جديدة.




