
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة لتبادل الآراء والمعلومات، لكنها في الوقت ذاته تحولت في كثير من الأحيان إلى منبر لإطلاق الاتهامات وتشويه السمعة دون الاستناد إلى حقائق أو أدلة دامغة. ومع اتساع تأثير هذه المنصات، بات من السهل أن يتعرض أي مسؤول أو موظف لحملات منظمة تستهدف صورته أمام الرأي العام، حتى قبل أن تتاح له فرصة الرد أو توضيح الحقائق.
وفي هذا السياق، تبرز الحملة التي استهدفت المفتش سيدي محمد ولد سيد المختار رئيس مكتب الجمارك بميناء نواكشوط، والتي يرى كثيرون أنها لا تنسجم مع المبادئ التي يفترض أن تحكم النقد المسؤول. فالنقد حق مشروع، بل هو ضرورة في أي مجتمع يسعى إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات الشخصية أو المهنية.
إن تقييم المسؤولين لا ينبغي أن يقوم على منشورات متداولة أو حملات إلكترونية قد تفتقر إلى المصداقية، وإنما على ما قدموه من عمل وما حققوه من نتائج، وعلى مدى التزامهم بالقانون وأخلاقيات الوظيفة العمومية. فالسجل المهني هو الوثيقة الحقيقية التي تعكس أداء الإنسان، وليس ما يُكتب عنه في فضاء إلكتروني تتداخل فيه الحقائق بالإشاعات.
ومن خلال ما يعرفه زملاء المفتش سيدي محمد ومن تعاملوا معه خلال سنوات عمله، فإنه يتمتع بسمعة مهنية قائمة على الجدية والانضباط والصرامة في تطبيق القانون، وهي صفات جعلته يحظى باحترام الكثيرين داخل محيطه المهني. كما أن مسيرته، وفق ما يؤكده المقربون منه، لم تُبنَ على المجاملات، وإنما على الالتزام بالمسؤولية والحرص على أداء الواجب دون تهاون.
ولا يمكن استبعاد أن تكون بعض الحملات التي تُدار عبر الحسابات الإلكترونية مدفوعة باعتبارات خاصة أو مصالح متضررة من التطبيق الصارم للقانون، وهي ظاهرة أصبحت مألوفة في عدد من الدول، حيث يُستهدف المسؤول الذي يرفض التجاوزات أو يتمسك بتطبيق الأنظمة النافذة.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن أي مسؤول لا يعني منحه حصانة من النقد أو المساءلة، فالجميع خاضعون للقانون، لكن من العدالة أيضًا أن يكون النقد قائمًا على الوقائع والأدلة، وأن تُحترم قرينة البراءة، وألا تتحول وسائل التواصل إلى محاكم تصدر أحكامها دون تحقيق أو بينة.
إن بناء مؤسسات قوية لا يتحقق فقط بمحاسبة المقصرين، وإنما أيضًا بحماية أصحاب الكفاءة والنزاهة من حملات التشويه التي قد تستهدفهم بسبب قيامهم بواجبهم. ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن يكون الحكم على الأشخاص من خلال أعمالهم وسيرتهم المهنية، لا عبر منشورات قد تفتقر إلى الدقة أو الموضوعية.
وفي النهاية، سيبقى التاريخ المهني للمفتش سيدي محمد ولد سيد المختار، في نظر مؤيديه، هو المعيار الأهم للحكم على تجربته، وستظل المهنية والنزاهة والالتزام بالقانون قيمًا لا يمكن طمسها بحملات إلكترونية عابرة، لأن الحقائق الراسخة أقوى من الضجيج، والعمل المخلص يبقى خير شاهد على أصحابه
بقلم الصحفي أمير سعد المدير العام للوكالة الوطنية للصحافة




