
في كل مشروع لبناء دولة حديثة داخل مجتمعات ذات امتداد قبلي عميق، يظل التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق التوازن بين منطق الدولة ومنطق البنية الاجتماعية التقليدية، دون قطيعة أو صدام أو استنساخ نماذج لا تلائم البيئة المحلية. ولعل من أبرز ما ميز خطاب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في هذا الصدد، هو أنه قدم مقاربة ناضجة تحترم الخصوصية الموريتانية، وتدرك أن الدولة لا تبنى على أنقاض القبيلة، ولا القبيلة تلغى بمرسوم، بل إن التكامل بينهما ممكن ومطلوب إذا أحسن توجيهه نحو المصلحة الوطنية العليا.
وقد شدد فخامته على نقطة جوهرية كثيرا ما وقع حولها سوء تأويل، حين أكد أن الموظف العمومي هو موظف لكل الموريتانيين، وأن حضوره للتظاهرات ذات الطابع القبلي بصفته الرسمية يضعف حياد الدولة ويختزلها في مكون واحد. لم يكن هدفه الانتقاص من القبيلة أو التقليل من دورها الاجتماعي، بل توضيح أن الدولة لا يجوز أن تظهر بثوب قبيلة، وأن المسؤول حين يتحرك بصفته الوظيفية يجب أن يتحرك تحت راية الوطن لا تحت عباءة الانتماء الاجتماعي. هذا التمييز لم يكن يوما دعوة لفك الانتماء عن جذوره، بل ضمانةً أخلاقيةً لعدالة الدولة، ورسالةً واضحة بأن الإنصاف لا يقبل التأويل ولا يتجزأ.
غير أن الاعتراف بحياد الدولة لا يعني القطيعة مع القبيلة؛ فالتجارب العربية والإفريقية أثبتت أن البنى الاجتماعية التقليدية ليست نقيضًا للدولة بطبيعتها، بل يمكن أن تكون رافدا للقيم وضمانا للسلم الأهلي إذا تمت إدارتها بوعي. وفي موريتانيا، ورغم مرور عقود على الدعوات الرسمية لتجاوز النظام القبلي، بقيت القبيلة تحافظ على حضورها الفاعل، ومن المرجح أن يستمر ذلك لأسباب موضوعية لا يمكن تجاهلها، من أهمها أنها لا تزال الحاضن للقيم الأخلاقية والروابط الاجتماعية، والإطار الأكثر فاعلية في التضامن الإنساني وصون الأعراض والأنساب،
وفي هذا السياق، فإن البرنامج الوطني الهادف إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي، الذي يقوده فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يجسد التزامًا فعليا بتحويل البنية الاجتماعية التقليدية إلى شريك في مسار الدولة لا عائقًا أمامها. فبينما لم تستكمل الدولة بعد منظومات التكفل الاجتماعي الشامل، والرعاية الصحية، والتأمين المهني الكامل، فإن جهود الحكومة في السنوات الأخيرة ـ من خلال توسيع قاعدة التأمين الصحي لتشمل نسبة متزايدة من غير الموظفين، وإطلاق مبادرات الدعم المادي للأسر العفيفة، وتخصيص موارد معتبرة لبرامج “تآزر” و“الشيلة” و“السكن الاجتماعي” ـ تمثل خطوات نوعية في سبيل تقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحرير الفرد من هشاشة الحاجة التي كانت تجعل القبيلة شبكة الأمان الأولى.
إن هذا التوجه يعيد ضبط العلاقة بين الدولة والقبيلة على أسس جديدة، بحيث لا تكون القبيلة بديلاً عن الدولة، بل شريكا مكملا لها في بناء السلم الاجتماعي. فكلما تعززت قدرة الدولة على حماية مواطنيها من الفقر والمرض، تقلصت تبعية الأفراد لمنظومات التضامن القبلي، وتحولت القبيلة من إطار للانتماء المصلحي إلى فضاء للقيم والوساطة الأخلاقية. ومن هنا يمكن القول إن سياسات فخامة الرئيس لا تهدف إلى إلغاء القبيلة، بل إلى تحصينها من التوظيف السلبي وجعلها رافدًا للمواطنة لا عائقا أمامها.
إن البرنامج الاجتماعي لفخامته، وما تضمنه من مضاعفة الإنفاق على الحماية الاجتماعية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، ودعم الشرائح الضعيفة، يفتح الباب أمام قيام دولة قانونية وديمقراطية، تضبط حدود الانتماء وتمنع الخلط بين الوظيفة العمومية والهوية الاجتماعية. وهذا ما من شأنه أيضا أن يحد من دوافع الفساد المرتبطة بالضغوط القبلية، إذ لم يعد الموظف بحاجة إلى البحث عن موارد إضافية لإرضاء محيطه الاجتماعي، ما دام النظام العام يكفل له كرامة العيش واستقرار المعيشة.
إن ما أراد فخامة رئيس الجمهورية قوله بوضوح ـ دون ضجيج ـ هو أن وظيفة الدولة يجب أن تسمو فوق الانتماءات الجزئية، وأن القبيلة حين تؤدي أدوارها الأخلاقية والاجتماعية خارج المجال الرسمي لا تشكل خطرا على الدولة، بل قد تكون سندا لها. فالتحدي ليس في وجود القبيلة، بل في حدود أدوارها؛ وليس في انتماء المسؤول لها، بل في عدم خلطه بين موقعه العمومي وهويته الاجتماعية.
ومن هنا، فإن بناء علاقة صحية بين الدولة والقبيلة لا يمر عبر الإلغاء، بل عبر إعادة تعريف الأدوار: الدولة للحقوق والمؤسسات والقانون، والقبيلة للقيم والتضامن والوساطة الأخلاقية. وعندما يحسن توجيه هذا التكامل، تتحول القبيلة من منافس افتراضي للدولة إلى رافعة للسلم الأهلي، وعامل استقرارٍ، وشريك في بناء وطنٍ يجمع ولا يفرق.
وفي الختام، نرجو لفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني التوفيق والسداد في مهامه السامية، وأن يديم الله على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار. كما نرجو من فخامته، عند قيامه بزيارة ولاية الحوض الغربي، أن تشمل زيارته تجمع ترمسة لما لهذا التجمع من أهمية استراتيجية وتاريخية وقيمة اجتماعية، فهو يمثل نموذجا للتماسك الأهلي الذي يجسد روح الوحدة الوطنية التي يدعو إليها فخامته.
موسى ولد سيد اعمر




