
مع الانتشار المتسارع لخدمات النقل عبر التطبيقات، برز هذا القطاع كأحد أبرز مجالات العمل الحر التي استقطبت آلاف الشباب الباحثين عن مصدر دخل يضمن لهم الحد الأدنى من متطلبات الحياة. غير أن الصورة التي رُوّج لها في البداية، باعتبارها فرصة واعدة لتحقيق الاستقلال المالي، سرعان ما اصطدمت بواقع مغاير، كشف عن اختلال واضح في موازين الربح والخسارة بين الشركات والسائقين.
ففي الوقت الذي تحقق فيه الشركات المشغلة أرباحًا متزايدة، يبدو أن السائقين، الذين يُفترض أنهم “شركاء” في هذا النشاط، هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. إذ تعتمد هذه الشركات على نسب اقتطاع مرتفعة تصل في بعض الأحيان إلى 25% من قيمة كل رحلة، ما يجعلها المستفيد الأكبر، بل والرابح الوحيد فعليًا من هذا النشاط، خاصة مع اتساع قاعدة السائقين المنضمين إليها، والتي قد تصل إلى عشرات الآلاف.
وفي المقابل، يواجه السائقون واقعًا صعبًا، حيث لا يتجاوز دخل الكثير منهم شهريًا 20 ألف أوقية جديدة،. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع التكاليف التشغيلية المرتفعة، من وقود وصيانة،
فضلًا عن الغرامات المتكررة والاقتطاعات الإضافية التي تُفرض عليهم دون مبررات واضحة.
واللافت في هذا السياق، أن هذه العلاقة غير المتوازنة لا تقابلها أي ضمانات حقيقية لصالح السائقين، فلا عقود عمل واضحة تحفظ حقوقهم، ولا تغطية اجتماعية تحميهم، ولا حتى خدمات ملموسة تبرر حجم الاقتطاعات المفروضة عليهم. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه “الشراكة”، التي تبدو في الواقع أقرب إلى علاقة غير عادلة، يتحمل فيها طرف واحد معظم الأعباء، بينما يجني الطرف الآخر معظم الأرباح.
ورغم الدور الذي تلعبه هذه التطبيقات في تسهيل التنقل وخلق فرص عمل، فإن استمرار هذا النموذج بصيغته الحالية يهدد استقراره على المدى البعيد، في ظل تنامي الشعور بالغبن لدى السائقين، الذين باتوا يطالبون بإنصافهم ووضع حد لما يعتبرونه استغلالًا ممنهجًا.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة لتدخل الجهات الحكومية المعنية، من أجل تنظيم هذا القطاع الحيوي، ووضع إطار قانوني يضمن التوازن بين الأطراف، ويحد من نسب الاقتطاع المجحفة، ويُلزم الشركات بتوفير الحد الأدنى من الحقوق والضمانات للسائقين.
إن تحقيق العدالة داخل هذا القطاع لا يخدم السائقين فقط، بل يسهم أيضًا في استدامته وتطويره، بما يضمن تقديم خدمة أفضل للمستخدمين، ويحول دون تحول حلم العمل الحر إلى عبء ثقيل على كاهل آلاف الشباب.
وفي ظل المعطيات الحالية، يبقى واضحًا أن الشركات هي المستفيد الأكبر من هذا النشاط، بينما يظل السائقون يدفعون ثمن اختلال المعادلة، في انتظار إصلاح يعيد التوازن ويمنحهم ما يستحقونه من إنصاف وكرامة.
بقلم الصحفي أمير سعد




