فاطمة بنت خطري.. مسيرة من الإنجاز في قيادة مفوضية الأمن الغذائي وتعزيز الحماية الاجتماعية

خلال السنوات الأخيرة، برز اسم مفوضية الأمن الغذائي كواحد من أبرز الأذرع التنفيذية للبرامج الاجتماعية للدولة، من خلال توسع تدخلاتها في مختلف ولايات الوطن، وتنوع آليات دعم الأسر الأكثر هشاشة، وتعزيز قدرات البلاد في مجال التخزين والاستجابة للأزمات الغذائية
وفي قلب هذه الديناميكية، تولت السيدة فاطمة بنت خطري مسؤولية قيادة المفوضية، حيث شهدت المؤسسة خلال فترة تسييرها توسعًا ملحوظًا في حجم البرامج وتنوعًا في مجالات التدخل، شمل الدعم الغذائي والنقدي، والتغذية المدرسية، ودعم الزراعة والأنشطة المدرة للدخل، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، إلى جانب تطوير آليات الاستجابة للأزمات
ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على حجم الأرقام المسجلة، وإنما تتجلى كذلك في الانتقال التدريجي من مفهوم التدخل الإغاثي الظرفي إلى مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين **الإغاثة، والحماية الاجتماعية، وتعزيز الصمود، ودعم الإنتاج المحلي
شكلت مساعدة الأسر محدودة الدخل والفئات الأكثر هشاشة محورًا أساسيًا في تدخلات المفوضية، من خلال التوزيعات الغذائية المجانية والتحويلات النقدية
وخلال سنة 2025، أعلنت المفوضية عن حزمة تدخلات اجتماعية شملت جميع ولايات الوطن، واستفادت منها 107,573 أسرة عبر التوزيعات الغذائية والتحويلات النقدية، من بينها أكثر من 73 ألف أسرة استفادت من التوزيعات الغذائية المجانية، بما مجموعه 4,781 طنًا من المواد الغذائية الأساسية
وفي سنة 2026، استمرت هذه السياسة بوتيرة أكبر، حيث أطلقت المفوضية تحويلات نقدية لصالح أكثر من 13,590 أسرة في ولايتي لعصابه وكيدي ماغه، بمبلغ إجمالي تجاوز 1.45 مليار أوقية قديمة ضمن شراكة مع برنامج الغذاء العالمي
كما استفادت أكثر من 10,500 أسرة في مناطق من الحوضين الشرقي والغربي من تحويلات نقدية استمرت أربعة أشهر، بقيمة تجاوزت مليار أوقية قديمة، مع اعتماد بيانات السجل الاجتماعي للدولة في تحديد المستفيدين
وتعكس هذه الأرقام توجهًا نحو توجيه الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر تنظيمًا، وربط التدخلات الاجتماعية بالبيانات الرسمية، بما يعزز استهداف الفئات الأكثر احتياجًا
حظيت عملية رمضان بمكانة خاصة ضمن برامج المفوضية، نظرًا لما يمثله الشهر من ضغط إضافي على القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل
وخلال رمضان 2026، شملت تدخلات الدولة التوزيعات الغذائية المجانية، والتحويلات النقدية، وتوفير المواد الأساسية بأسعار مدعومة، إلى جانب العمل على ضمان وفرة المواد الغذائية وجودتها
وتشير المعطيات المعلنة إلى استفادة نحو 98 ألف أسرة من التدخلات الاجتماعية خلال العملية الرمضانية، بما ساهم في تخفيف أعباء الإنفاق على الأسر ذات الدخل المحدود
ولم تقتصر متابعة المفوضية على إطلاق البرامج، بل شملت كذلك النزول الميداني إلى مراكز البيع والتوزيع، ومراقبة المخزون وجودة المواد، والاستماع إلى المواطنين، والتأكيد على ضرورة تقديم الخدمة بما يحفظ كرامة المستفيدين
ومن أبرز ما يمكن تسجيله في تجربة مفوضية الأمن الغذائي خلال هذه المرحلة، توسعها في المشاريع التنموية التي تستهدف مساعدة السكان على تجاوز الهشاشة بدل الاكتفاء بالدعم الظرفي
وفي هذا الإطار، نفذت المفوضية مشاريع مرتبطة بالزراعة، وتسييج الأراضي، والسدود الرملية، والأنشطة المدرة للدخل، وتجهيز المزارع، وغيرها من التدخلات التي تسعى إلى تعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الإنتاج والصمود
وفي 2026، أطلقت المفوضية برنامج «الغذاء مقابل العمل» ومكونة الأنشطة المدرة للدخل، متضمنًا تسييج أكثر من 100 مزرعة في مختلف ولايات البلاد، وتوفير أكثر من 208 آلاف متر من السياج إلى جانب دعم الأنشطة الزراعية بالمعدات والآليات وتوزيع قرابة 1000 طن من المواد الغذائية لدعم اليد العاملة في المزارع المستفيدة
كما أطلقت في ولاية لبراكنة 19 مشروعًا تنمويًا في إطار الغذاء مقابل العمل، شملت تجهيز مزارع للخضروات وإنشاء سدود رملية، مع متابعة مشاريع زراعية أخرى في الولاية
وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في تجربة المفوضية، والمتمثلة في الجمع بين توفير الغذاء اليوم ومساعدة المواطن على إنتاج الغذاء غدًا
ربما كان الاستثمار في البنية التحتية للتخزين من أكثر الملفات استراتيجية في مسار المفوضية خلال السنوات الأخيرة
فالأمن الغذائي لا يرتبط فقط بتوفير المواد الغذائية، وإنما يتطلب أيضًا امتلاك قدرة وطنية على التخزين والاستجابة السريعة عند حدوث الأزمات أو اضطراب سلاسل التموين
وفي هذا السياق، تعمل المفوضية على إنشاء شبكة جديدة تضم 33 مخزنًا موزعة على مختلف الولايات، بطاقة استيعابية تقارب 135 ألف طن
كما تم تدشين مخزنين مركزيين في كيفة بطاقة تصل إلى 30 ألف طن ضمن مشروع لتعزيز القدرة التخزينية للبلاد
ويمثل هذا التوجه استثمارًا طويل الأمد في الأمن الغذائي الوطني، إذ يمنح الدولة قدرة أكبر على التدخل السريع عند الأزمات، ويقلل من مخاطر الانقطاعات أو الاضطرابات في التموين
ومن التحولات المهمة كذلك تعزيز البعد الاستباقي في عمل المفوضية، من خلال الآلية الوطنية للوقاية والاستجابة للأزمات الغذائية والتغذوية
وقد أصبحت هذه المقاربة تسمح بإعداد خطط وطنية للتدخل قبل تفاقم الأزمات، بدل انتظار انعكاساتها على السكان
وفي إطار خطة الاستجابة للوضعية الغذائية لعام 2026، تم اعتماد حزمة من التدخلات تشمل التوزيعات الغذائية، والتحويلات النقدية، وفتح بنوك للحبوب، وبرامج تغذية موجهة للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات في الأوساط الهشة
وهذا التطور يعكس انتقالًا نحو إدارة أكثر استباقية للأمن الغذائي، تقوم على الرصد والتخطيط والتدخل المبكر
من السمات البارزة في طريقة إدارة المفوضية خلال هذه المرحلة، الحضور الميداني للمسؤولة الأولى عن المؤسسة، ومتابعة البرامج في الولايات والمقاطعات، والاطلاع المباشر على المخازن والمشاريع الزراعية ونقاط التوزيع
فزيارات المفوضة لمختلف المناطق لم تكن مقتصرة على المناسبات الرسمية، بل شملت تفقد المشاريع التنموية، ومخازن المفوضية، ونقاط توزيع المواد الغذائية، والاجتماع بالسلطات المحلية والمنتخبين والمواطنين
ويعكس هذا النهج محاولة للربط بين القرار المركزي وواقع الميدان والوقوف على مدى وصول البرامج إلى المستفيدين
إن قراءة حصيلة المفوضية خلال هذه المرحلة تقود إلى ملاحظة أساسية، وهي أن المؤسسة لم تعد تتحرك في إطار الإغاثة الغذائية وحدها، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع للحماية الاجتماعية وتعزيز الصمود
فإلى جانب توزيع الغذاء، هناك تحويلات نقدية، ودعم للمزارعين، ومشاريع مدرة للدخل، وبرامج تغذية، ومخازن استراتيجية، وآليات للوقاية من الأزمات، وبرامج للتموين بأسعار مدعومة
وهذا التنوع في التدخلات يعكس رؤية تقوم على معالجة مظاهر الهشاشة من أكثر من زاوية
وبعيدًا عن المواقف السياسية أو التقييمات الشخصية، فإن الأرقام والبرامج المعلنة خلال السنوات الأخيرة تقدم أساسًا موضوعيًا للإشادة بالجهد الإداري الذي بذلته السيدة فاطمة بنت خطري على رأس مفوضية الأمن الغذائي
فقد نجحت المفوضية خلال فترة تسييرها في توسيع نطاق التدخلات، وتعزيز الحضور في مختلف مناطق البلاد، وتطوير البنية التخزينية، وتنويع وسائل الدعم، وربط المساعدة الاجتماعية بالمشاريع التنموية والإنتاجية
كما أن استمرار البرامج وتوسعها إلى السنوات الأخيرة، بما في ذلك حزمة الإجراءات الاجتماعية لعام 2026 التي شملت تحويلات نقدية لـ 352 ألف أسرة وتوزيعات غذائية مجانية لأكثر من 155 ألف أسرة يؤكد حجم المسؤولية التي أصبحت تضطلع بها المفوضية في منظومة الحماية الاجتماعية
وتستحق تجربة فاطمة بنت خطري كذلك التوقف عند جانبها الإداري؛ إذ إن إدارة مؤسسة بهذا الحجم، التي تتولى تنفيذ برامج تمتد إلى جميع ولايات البلاد وتستهدف مئات آلاف الأسر، تتطلب قدرة عالية على التنسيق والمتابعة وإدارة الموارد والشراكات
وقد ظهرت هذه المسؤولية أيضًا في تعامل المفوضية مع الشركاء الدوليين، ومن بينهم برنامج الغذاء العالمي، وفي تمثيل موريتانيا في اجتماعات المجلس التنفيذي للبرنامج، بما يعكس الحضور المتزايد للمفوضية في ملفات الأمن الغذائي على المستوى الدولي
يمكن القول إن تجربة مفوضية الأمن الغذائي خلال فترة قيادة فاطمة بنت خطري تمثل واحدة من التجارب اللافتة في مجال تنفيذ البرامج الاجتماعية في موريتانيا، بالنظر إلى حجم التدخلات وتنوعها واتساع رقعتها الجغرافية.
فبين الدعم الغذائي المباشر والتحويلات النقدية، وبين دعم الزراعة والأنشطة المدرة للدخل، وتعزيز المخزون الاستراتيجي وبناء شبكة حديثة للتخزين، وتطوير آليات الاستجابة للأزمات، قطعت المفوضية خطوات مهمة في بناء منظومة أكثر شمولًا للتعامل مع تحديات الأمن الغذائي.
ومن هذه الزاوية، فإن الإشادة بجهود فاطمة بنت خطري لا تقوم فقط على الانطباعات، وإنما تستند إلى حصيلة رقمية وبرامج متواصلة ومشاريع ميدانية، جعلت من المفوضية خلال هذه المرحلة مؤسسة أكثر حضورًا في حياة المواطنين، وأكثر ارتباطًا بالسياسات الاجتماعية للدولة
ويبقى التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو الحفاظ على هذا الزخم، وتعزيز الشفافية والنجاعة في استهداف المستفيدين، ومواصلة الانتقال من معالجة الهشاشة إلى بناء قدرة مستدامة لدى الأسر والمجتمعات المحلية على الإنتاج والصمود وتحقيق الأمن الغذائي
بقلم الصحفي أمير سعد الأمين العام للنقابة العامة للمنصات الإعلامية الرقمية بموريتانيا




