
في ظل التحولات العالمية المتسارعة في اسواق الطاقة، وتنامي التحديات المرتبطة بأمن التزود بالمحروقات، يكتسي قرار رئيس الجمهورية الرامي الى ترشيد استهلاك الطاقة اهمية استراتيجية بالغة، اذ يعكس وعيا سياسيا متقدما بضرورة الانتقال من منطق الاستهلاك الى منطق الانتاج، ومن التبعية الى الاستقلال، ومن الهدر الى التدبير الرشيد.
ان ما تشهده البلاد اليوم من ضغوط في توفير البنزين والكازوال والبيوتان، يفرض اعادة التفكير في نموذجنا الطاقوي، لا بوصفه ازمة عابرة، بل باعتباره فرصة سانحة لاعادة البناء على اسس مستدامة.
في هذا السياق، تبرز امكانيات واعدة لانتاج وقود محلي صديق للبيئة، من خلال استثمار الموارد النباتية الملائمة للمناخ الصحراوي، وفي مقدمتها ما يعرف بالشجرة الذهبية او السحرية، التي يمكن استخراج زيوت منها تستعمل كوقود بديل، وكزيوت للسيارات، اضافة الى استخداماتها الصناعية في انتاج الصابون وغيرها.
وهنا يتجلى الطباق بين الاستيراد والاستثمار، وبين العجز والاكتفاء، كما تظهر المقابلة بين نزيف العملة الصعبة وتوطين القيمة المضافة، حيث ان التوجه نحو انتاج محلي للوقود من شانه ان يخفف من كلفة الاستيراد، ويحد من تدفق العملات الاجنبية الى الخارج، ويعزز في المقابل الدورة الاقتصادية الوطنية.
إن هذه المبادرة ليست وليدة اللحظة، بل سبق لي أن طرحتها وناقشتها في مناسبات متعددة، مع تقديم تصورات عملية لاليات تنفيذها، سواء على المدى القريب او المتوسط او البعيد. وهي تقوم على استغلال الاراضي الشاسعة غير المستثمرة، وزراعة انواع نباتية مقاومة للجفاف، قادرة على انتاج زيوت قابلة للتحويل الى وقود حيوي، في اطار مقاربة تجمع بين البعد البيئي والبعد الاقتصادي.
ولا يخفى ما في هذا الطرح من جناس دلالي بين الطاقة والطاقة الكامنة، اذ ان الارض التي تبدو قاحلة تخفي في طياتها طاقة انتاجية هائلة، متى ما احسن توظيفها، تحولت من عبء الى رافعة، ومن صحراء صامتة الى ثروة ناطقة.
ان محدودية عدد السيارات مقارنة باتساع الرقعة الجغرافية، يشكلان معا معادلة متوازنة يمكن البناء عليها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الوقود، بل والتوجه مستقبلا نحو التصدير. ومن هنا، فان الاستثمار في هذه الشجرة ذات القيمة المتعددة ليس خيارا بيئيا فحسب، بل هو خيار سياديا بامتياز.
وختاما، فان هذه الفكرة، وان كانت مطروحة لخدمة الصالح العام دون ادعاء احتكارها، فان من الامانة العلمية والاخلاقية ان يحترم جهد اصحابها، وان يشار اليهم عند تبنيها او تطويرها. فالافكار، وان كانت ملكا للاوطان، فان الاقرار بفضل اصحابها هو من شيم الاوطان الراقية.
وعليه، فان الدعوة قائمة اليوم اكثر من اي وقت مضى الى الانتقال من مرحلة القول الى مرحلة الفعل، ومن التنظير الى التجسيد، حتى نضع اللبنة الاولى في بناء استقلال طاقوي حقيقي، يحقق التنمية المستدامة، ويصون السيادة الوطنية، ويحول التحديات الى فرص، والقيود الى انطلاقات.
اللهم احفظ بلدنا من كل سوء، وارزقه الامن والامان والاستقرار، وبارك في اهله وموارده، ووفقه لكل ما فيه خير ونماء
بقلم موسى ولد ابو سيدأعمر




